السؤال الآن ليس كيف ستمر هذه الأيام الصعبة.
بل السؤال الأهم، كيف سيكون حالنا بعد أن تمضي هذه الأيام.
سنة الحياة أن لا شيء ثابت ومستمر، كل شيء يتغير، الأيام الحلوة والأيام الصعبة، المهم ما هي الحالة التي سنكون عليها بعد أن تمضي هذه المحنة.
أرواح متعبة، نفوس مثقلة، أم نفوس تتمتع بالسكينة والطمأنينة.
وهذا الكلام يخص الذين يعيشون وسط الحرب، أو حتى أمثالنا الذين يتابعونها من بعيد.
هذه وصيتي لما يمكن أن نفعله في أيامنا هذا مع كل الأخبار السيئة، وهي وصية طويلة خذ منها ما يناسبك، أو خذ منها ما تراه صائبا، وسامحني عما تعتقده غير ذلك.
أدعوك أولا إلى “عزلة جزئية”، أن تتخفف من كل شيء، أن تتجنب كل ما تستطيع أن تتجنبه، ربما من المستحيل أن تنعزل كليا، لكن قلل من اختلاطك مع الآخرين، ولا يعني ذلك أن تنقطع عما يجري حولك، لكن لا تغرق فيه، واحرص على أن تكون واعيا بكل أبعاد الصورة، وهذه معادلة صعبة، أن تنعزل جزئيا، ولكن تظل على تواصل بالقضايا التي تفرض نفسها علينا، نعم معادلة صعبة، ولذلك قلت عزلة جزئية، وأضيف أن “التوزان” ينجيك.
وأدعوك ثانيا إلى الصمت الطويل، ففيه راحة لا يمكن أن تتخيلها، وليس الصمت أن تكف عن الكلام، ثم تقضي وقتك متابعا لمنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وإنما أن تخلو إلى نفسك، واحذر من أن تقع في مصيدة التفكير الزائد، فالصمت هو الكف عن الكلام الداخلي لا أن تكثفه، كف قليلا عن إقناع نفسك بأي شيء.
ثم ثالثا اختر مهمة والتزم بها، أي مهمة تراها مفيدة لك، وللمجتمع من حولك، كأنك تقول سأغادر مقعد المشاهد المتحسر على ما يجري، وألجأ إلى فعل إيجابي، لا تقلل من أهمية أي عمل أو أي مهمة، لا تبحث عن أعمال ضخمة، استحضر وصية النبي، صلى الله عليه وسلم، وأزرع الفسيلة، المهمة البسيطة ليست تافهة، طالما كانت إيجابية لك ولمجتمعك، فاشغل نفسك بها، ابحث عن أي خير يمكن أن تقوم به، وقم به.
ثم إياك وأن تنزلق إلى معارك جانبية، فتغرق في حوارات تخسر فيها نفسك ومن حولك، المنطق غائب هذه الأيام، والناس مصطفة في قوالبها التي اختارتها لأنفسها، والأعصاب مشدودة، والشائعات كثرت، والأخبار زائفة، ولن يكون أبدا حوار أفكار، فاهتم بنفسك، وبمهمتك التي اخترتها، وإذا كان من ضرورة فاختر بعناية فائقة من تريد الحديث معه، وأي موضوع تتناوله، والأهم استعداد الآخر للانصات، وفي كل الأحوال تجنب الحوارات ما استطعت.
والآن يأتي ما هو أهم من ذلك كله، وهو القرآن، اتلو القران، لكن لا تتلوه كأنك في عزاء، تؤدي واجبا وتنصرف، ولكن أقرأ بتدبر، فستجد كل الإجابات لأسئلتك بين ثناياه، لكن القرآن لن يفتح لك أبوابه، إلا إذا احسنت التعامل معه، وبغض النظر عن مدى ما لديك من علم، النية والهمة كافيلان بأن يدلاك بأذن ربك على ما تبحث عنه.
هذا والله أعلم.